قصة الأمهات الـ 12 اللاتي قتل أبناؤهنّ بالرصاص في أكتوبر 2000

نائلة عواد-راشد-مركزة مشروع مرافقة ضحايا الاعتداء الجنسي في المسار الجنائي

تشكّل أحداث أكتوبر 2000 علامة فارقة في علاقات دولة إسرائيل مع الأقلية القومية الفلسطينية، التي يجري تعريفها كما لو أنها تملك حقوقًا مدنية كاملة. فحقيقة وجود 13 رجلاً شابًا قتلهم شرطيون بالرصاص حين شاركوا في مظاهرات مدنيّة، سجّلت ذروة في العنف الذي لم يُشهد منذ أيام الحكم العسكري وأحداث يوم الأرض في آذار 1976.
 تهدف هذه الدراسة البحثية إلى فهم تأثير أحداث أكتوبر 2000 وعنف قوى الأمن الإسرائيلية على الأمهات الثاكلات الفلسطينيات مواطنات دولة إسرائيل.
تبيّن الأدبيّات المتوفّرة أنه على الرغم من معاناة النساء الفلسطينيات وقمعهن المتواصلين، فهنّ يملن إلى إنكار خسارتهن وفقدانهن (Shalhoub-Kevorkian, 1997). من هنا، وضع هذا البحث نصب عينيه هدف فهم هذا الإنكار في السياق الأوسع لموقع النساء في مجتمعاتهن، والتشديد على التجربة التي مرّت بها النساء الثاكلات وعلى استراتيجياتهن في مواجهة صدمة الثكل.
جرى تخطيط البحث بحيث يتضمّن آذانًا صاغية للأحداث والقصص، وأيضًا محاولة لتحديد والاستماع إلى الصوت النسائي العينيّ المميّز لوضعهن الاجتماعي-السياسي، لوضعهن الجندريّ ولوضعهن الاقتصادي في سياق مجتمع عربي أبويّ، خلال تطرّقهن إلى الممارسات العنيفة لقوى الأمن الإسرائيلية.
في ضوء ظهور قسم من أمهات الشبان الذين قُتلوا بالرصاص في أحداث أكتوبر عبر الإعلام وفي نشاطات سياسية مختلفة، أثارت اهتمامي مسألة نشاطهن السياسي. ورغبت في فهم السيرورة التي تتحول فيها الأمهات الثاكلات، الفلسطينيات مواطنات دولة إسرائيل، إلى ذوات حضور من ناحية سياسية ومن حيث النشاط في تنظيمات مختلفة، وحاولت فهم هذه السيرورة في سياق القوى الاجتماعية التي تبلور وعي النساء. بالإضافة إلى ذلك، وإزاء حقيقة أن قسمًا من الأمهات فقط قد توجّه إلى التعبير السياسي عن الثكل الذي عشنه، رغبتُ في أن أسألهن عن الظروف التي تتم فيها ترجمة الثكل والفقدان إلى حضور سياسي، وعما يحدث في عالم النساء في أعقاب الدخول إلى الحياة السياسية أو الامتناع عنه.
جرى في البحث فحص موقع الثكل والحداد في الفضاء الخاص وفي الفضاء الشعبي-القومي، أي ليس علاقة النساء وحدهن بالفقدان، بل علاقة الأمهات الثاكلات بالمجتمع في أعقاب الفقدان؛ هل أخرجهن إلى النشاط السياسي، أم أنهن اخترن مواجهة الفقدان كثكل خاص؟ هل أسمعن صوتهن؟
تبيّن من المقابلات التي أجريتها وجود سيرورتين. على الرغم من أنهما كانتا مختلفتين إلى حد بعيد، فهناك شبه بينهما. فهما تختلفان من ناحية التعاطي وطرق المواجهة الشعورية للنساء إزاء الفقدان لديهن، لكن كلتا المجموعتين تعيشان تحت وطأة قمع يمارسه المجتمع عليهن بشأن اختيار طريقة المواجهة. وهكذا، فمما يتبيّن من تحليل الفقدان كما ورد في المقابلات، تنقسم مجموعة النساء إلى اثنتين. تتألف الأولى من نساء اخترن التعاطي مع الفقدان والثكل كمسألتين لهما معنى سياسي-جماهيري. وقد وجدن لأنفسهن طرق نشاط وتعبير مختلفة بغية مواجهة الفقدان، سواء كان ذلك عبر الخروج في نشاطات احتجاجية، المشاركة في مظاهرات، أو في إسماع صوتهن. هؤلاء النساء تعاطين مع الثكل كقتل: هذه ليست إرادة الله التي يجب قبولها، وموت أولادهن يختلف عن الموت الطبيعي في أعقاب مرض أو حادث. ولذلك فهنّ يتعاطين مع الثكل كمسألة جماعية لأجل الوطن، "لأجل هدف"، وليس كفقدان خاص لابن وحيد أو لأسرة عينيّة ما. إذن فيوجد للفقدان هنا معنى جماهيريّ سياسيّ.  
يمكننا أن نسمع من خلال تحليل المقابلات صرخة الأمهات اللاتي يملكن حضورًا سياسيًا – صرخة الفقدان من أجل "الوطن" أو "الشعب"، ومن أجل المجتمع الذي يُطلب منه التعاطي بجديّة أكبر مع فقدان 13 شابًا، هم بمثابة أبناء الأمة وليسوا أبناء أسرهم فقط. هؤلاء النساء تمتنعن عن التعبير عن المشاعر.
بالمقابل، فإن مجموعة الأمهات الثانية اختارت الانطواء على نفسها في البيت بفعل المرض أو مرض الزوج بعد فقدان الابن. هؤلاء النساء تعاطين مع ثكلهن كمسألة ذات معنى خاص وشخصي. فالفقدان لهنّ فقط، ولا يرغبن في تقاسُم حزنهن وألمهن مع أي أحد آخر، لأنه ليس بوسع أحد أن يفهم ولا أن يشعر بشدّة الألم والحزن التي يعشنها. يقف هذا التعاطي على نقيض المعنى الجماهيري للثكل: فالأمهات هنا على تواصل مع المشاعر الغامضة للحداد. الأم تعتقد أنه من المفهوم ضمنًا للوالدة التي فقدت ابنًا أن تشعر بذلك: فهي تبكي فقط، ولا تفرح ولا تبدأ بالغناء. فمشاعر الألم والحزن والفقدان شديدة وخاصة بشكل مطلق، "لا يمكن للفرح أن يزورني بأي شكل كان".
تنعكس التجربة المعاشة للأمهات اللاتي ليس لهنّ حضور سياسي، في المقابلات، كهوّة بين تعبيرهن الشعوري وبين الأمر الاجتماعي وما هو متوقع منهنّ اجتماعيًا. هناك صعوبة خاصة، كما قلن، في كون المحيط يتوقّع منهنّ التغلّب على الحزن والبكاء. ولذلك، فإنهن يكرّرن التذكير بهذا التوقُّع لكنهن يؤكدن عدم قدرتهن على ممارسته. وتتم ترجمة انعدام القدرة هذا عبر عرض الأنا لديهن كانعدام للقدرة على السيطرة. وهن يمثّلن على الهوّة التي يعشنها بين مشاعرهن الداخلية وبين البلاغات الخارجية بـ: "يقولون"، وَ "يقولون لي"، التي تجسّد نظرة الآخرين وتوقّعهم لتعابير شعورية أخرى تؤكد القيمة الدينية للفقدان: "أنا ملزمة بتقبُّل إرادة الله".
تحاول الأمهات ملائمة أنفسهن للعالمين. فعالم مشاعر الثكل، الألم، الحزن، والبكاء وما شابه يناقض المعتقدات المتعارف عليها في المجتمع وحتى إرادة الله التي يُحظر التشكيك بها. فالبكاء ممنوع لأن الدموع تحرق الشهيد في الجنة. وتقول الأمهات ممن ليس لهن حضور سياسي بوضوح: دعونا نبكي، ليس لدينا سيطرة على هذا، ويعبّرن عن حاجتهن في العزلة، لئلا يحبسن التعبير عن المشاعر بل يدعنها تنطلق منهنّ.
وهكذا فإن النساء ممن ليس لهن حضور سياسي تشككن وترفضن جعل الثكل أمرًا قوميًا. وهن تتعاطين مع ألمهنّ ومشاعرهنّ ولا تقمن بالتستّر عليهما لكون الابن "شهيد"، ولأن المجتمع والدين يتوقعان منهن الفرح والشعور بالفخر والكرامة. فالفخر والكرامة هما غذاء ضئيل للنفس، يؤدي الفقدان إلى تحييدهما.
أما الأمهات ذوات الحضور السياسي فقد تحدثن عن المهمة، عن التزامهن، ليس بعدم البكاء على الأبناء فحسب بل بإسماع صوتهن، والتحوّل إلى شريكات في اتخاذ القرارات، وعن الخروج وليس الانحباس في البيت بين أربعة جدران.
هذا التغيير في استيعاب الحيّز العام والخروج ضد المعايير والقيم السلبية التي ترى أن مكان النساء هو في داخل البيت، تأثّر أيضًا من التغيير في استيعاب النساء لأنفسهن وهويتهن الوطنية. ففي الأمر احتجاج وتشكيك بالمسلّمات الاجتماعية المرتبطة بالنساء، وخاصة إذا كنّ في حداد يتوقَّع منهن عدم الخروج من البيت بعد. فخروجهن إلى الحيّز العام يعارض سياسة الحكومة، ويأتي للاحتجاج على سلوكيات قوى الأمن وعلى التمييز المتواصل بحقهن، كنساء وكفلسطينيات معًا. وهنا يجري عمليًا الربط بين الفقدان الخاص وبين معناه الجماهيري – الوطني.
 اختارت النساء الحاضرات سياسيًا عدم الغياب خلف الحداد، لأنه لو سمحن لأنفسهن بالبدء بالحداد فلن تتوقفن بالمرة (هيرمان، 1992). بل اخترن الوقوف معًا، كأسَر للشهداء، مقابل الأمة أو القادة. وهو موقف تختزن فيه صرخة كبرى، حتى لو أن صوتها لا يصل في العادة بعيدًا، وهي تحوّل الأهالي الثكالى من مجموعة أفراد مصابين بصدمة الحزن والحنين إلى عائلة واحدة (روزنطال 2001). فالتنظّم والحضور كأهالٍ وكأمهات بوسعه التعبير عن الغضب وعن مشاعر النقمة على فقدان الأبناء.
إن حداد النساء غير الحاضرات سياسيًا انعكس في الاغتراب الاجتماعي، الميل نحو العزلة والامتناع عن الاحتكاك بالناس، لئلا تثور فيهن ردة فعل عدائية، ولئلا تفقدن السيطرة، تمسسن بالآخرين أو تنتقمن ممن يرين فيه مسؤولا وقاتلا.
يتبيّن من تحليل المقابلات أن المجموعتين عالقتان داخل بنية مقسومة، بشكل مطلق، بين الخاص والعام. فلو أن أمًا اختارت إعطاء فقدانها معنى جماهيريًا وسياسيًا، سيتوجّب عليها دفع ثمنٍ قوامه عدم التحدّث عن مشاعرها، غضبها، ألمها وحزنها. وهي حالة تضعها في وضع من عدم الانسجام بين العالمين – عالم المعاناة الشخصية وعالم التوقعات الاجتماعية، القومية والدينية منها كأم شهيد. وهكذا فبإمكانها تقبّل معنى الشهادة كأمر قومي، والتنازل عن التعبير عن مشاعر الحزن والفقدان، أي كبت مشاعرها والتعاطي مع الشهادة كمصدر للفخر. فهي والدة الشهيد الذي مات ميتة الأبطال، وتحظى بتقدير ومرتبة اجتماعيين بفضل "شهادة ابنها". الوالدة الفلسطينية مطالبة بالتضحية. أمومتها تقف في واجهة الصراع. هذه الظاهرة تمثّل التناقض بين الدور الغريزي للأم الخاصة – حماية حياة أولادها والاهتمام بسعادتهم ورفاهيتهم، وبين دورها كأم وطنية، يطالبونها بالاستعداد للتضحية بحياة أولادها من أجل الوطن.
تدفع مجموعتا النساء ثمنًا للتمييز الأبوي بين الفضاءين، الخاص والعام. وفي ظروف صراع قومي يتخذ هذا التمييز بشكل أكبر معاني شعورية.
فعالم النساء ثنائي ومركب ويحتوي على الحاجات والتعابير الشعورية، لكن حياتهن المجتمعية تطالبهن بالاختيار وبتجاهل والتبرؤ من الأجزاء التي لا تلائم اختيارهن.
يمكن القول بنظرة تلخيصية حول الظروف التي يصبح الثكل السياسي فيها مصدرًا لقوة النساء، إن مسألة الربط بين الهوية الأمومية والقومية طُرحت كمسألة مركزية. بين الهوية الأمومية المطلقة للثكل وبين قوميته.


[1] ملخص البحث الذي تم تقديمه كجزء من الاستحقاقات لنيل اللقب الثاني في قسم الدراسات متعددة المجالات، وحدة الدراسات الجندرية - جامعة بار ايلان.