لا تصمت/ي!

هشام نفاع

 

 لا تبدأ جرائم القتل الجبانة المختبئة تحت "شرف العائلة" المزعوم، في لحظة القتل ولا تنتهي بها أيضًا. كذلك، لا تقتصر المسؤولية عن فعل الجريمة على المنفّذ الفرد. في الحالتين هناك سياق للجريمة. هناك دفيئة عفنة تنتجها، ترعاها وتدفع باتجاه خروجها الى حيّز التنفيذ.

خيوط هذه الجرائم ترتبط بممارسات ومواقف قد تبدو ظاهريًا بعيدة عن عنف القتل وسفك الدمّ. مثلا، تلك السرعة الذكورية العجيبة في إطلاق لقب "عاهرة"  (بشتى مفرداتها المحكيّة) على كل فتاة لا تتصرّف وفق المطلوب منها. لأنها "مصاحبة" أحيانًا، أو لأنها لا تطأطئ رأسها أمام تعليقات سمجة من شبّان بل تردّ بعين حادّة وقوية، أو حتى لمجرّد أنها تدخّن السجائر علانية. فتحذيرات التدخين تكتسب معاني مختلفة حين يتعلق الأمر بالنساء، وتراها تتعدّى التّبعات الطبية الى تلك الأخلاقية! كيف، لماذا، ومتى وأين.. حتى الآن لا يوجد منطق معروف قادر على تفسير هذا.


وهناك أيضًا تلك البراعة في السلوك الذكوري الحربائي الذي يتغيّر بحدة بين ما ينتظره من فتيات "محسوبات عليه" مثل الأخت أو القريبة أو ما شابه، وبين ما ينتظره بل يشتهيه من الأخريات. هنا، يمكن للمرء العثور على واحدة من عجائب النفاق السبع.. فالأنانية الذكورية تستدعي تقييد القريبة وخنقها، من جهة، وانتظار حريّات باريسيّة ممن يٌبتغى معاشرتها، من الجهة الأخرى.


أفطن أحيانًا الى نوع معيّن من العنف الذي يقع في التجمهرات التقليدية العامة (أعراس وهلمجرّا) على خلفيات "تطلّع على بنت خالتي" وما شابه.. غالبًا ما يكون المتطاوشون من الصنف ذاته: حريصون الى درجة صدّ نظرة العين عن قريباتهم، لكنهم وقحون الى درجة فراغ العين عند الحملقة في الأخريات! هذا الخليط المفجع من الازدواجية الأخلاقية والانفصام الذاتي يحمل من الخطر ما يساوي موادّ سريعة الانفجار.. وهو للأسف ينفجر كل اثنين وخميس لكنّ لا أحد تقريبًا يهتمّ به بما يتجاوز سؤال "مين طلع زلمه أكثر؟".. والصراحة: طزّ في هيك زلام!

بالمناسبة، ذلك النفاق لا يقتصر على من يطيب للشرائح المتعلمة شبه البرجوازية النظر اليهم على أنهم "متخلفون". لا أبدًا! فبين الشرائح التي تتغنّى بالتسميات الثقافية على أنواعها، تجد كميات هائلة من الهمس العنصري الخافت نحو النساء. تارة بسبب الغيرة من حضور وقدرات زميلة في الدراسة أو العمل، وأخرى "لأنها تركته" وأحبت غيره، وأحيانًا لأنها تسمح لنفسها، ويا للعار، بالعيش وفق معايير لا تختلف بشيء عن معايير حضرته. وهؤلاء بالذات تجدر إدانتهم بشكل مضاعف!

هذه الممارسات اليومية التي تضع كل امرأة تخرج عن المعايير التي يحكمها "العيب" في خانة الدعارة، هي جزء من عنف الدفيئة التي تنتج الجريمة. فقبل وقوع الجريمة العينية، كانت ماكينة إنتاجها تواصل الدوران.. ماكينة الحط من قيمة النساء، إصدار الأحكام القاتلة عليهن، إدانة "ارتكابهنّ جريمة" قطع شبر جديد على طريق التحرّر، وتطوير تقنيّات الزجر والتقييد والخنق انطلاقًا من معايير عنصريّة – وهي معايير يزعم الجميع رفضها حين تكون في سياقات أخرى..

القاتل الفرد الذي يقدم على جريمته يفكّر بالأسلوب المذكور ذاته، بفارق انه ينفّذ. لكنه لم يكن ليُقدم على القتل لولا الدعم غير مباشر من تلك الجوقة البشعة الضخمة التي تقوم على معايير مزدوجة، استعلائية، تسلطيّة في كل ما يتعلق بحقوق وحريّات النساء. لذلك فهي ليست جريمة فرد، بل جريمة يتحمل مسؤوليتها الجميع: المؤيدون مباشرة، الداعمون تأتأة، وكذلك الصامتون جبنًا. بمعنى ما، هناك هامش جزئيّ معيّن يمكن فيه اعتبار منفذ الجريمة أيضًا ضحية لكل ما سبق. ففعلـُه القاتل انصقل داخل ذلك الخليط القاتل.

من هنا، يجب أن يكون الموقف واضحًا. يجب أن يعلو الصوت الرافض الشجاع على فحيح الصمت والهمس المؤيدين. أما جميع التبريرات الملتوية، تارة باسم الدين وتارة أخرى باسم التقاليد والأعراف، فلم يعد من الممكن التعاطي معها مواربة. بل يجب رفضها بالمطلق وبصوت عالٍ منعًا لسوء الفهم وسوء التفاهم الذي يهدّد بتحويلها الى مسبّباتِ تفهّم لتلك الجرائم. بعدها فقط، بعد تحديد خط أحمر واضح لا تبرّر اجتيازه أية مبررات، فلنتناقش في كل شيء. لأن إبقاء كرامة المرأة وسلامتها رهينة بأيدي حاملي إرث ومصالح الفحوليّات والعنتريّات المنافقة، هو خطر حقيقي داهم ودائم.، وليس على النساء فقط.

إن أيّ بدء للكلام يجب أن يكون بالاتفاق على الرفض القاطع لاستخدام مفاهيم "الشرف"، "العيب"، "العار" وما شابه كوسائل عنف وقتل. فالتجربة المؤلمة تعلّمنا أن أيّ تساهل في هذا يهدد بالتورّط في جريمتين غير القتل: التأتأة والصمت على جريمة القتل.

 

(شباط 2010)