يوم مناهضة العنف ضد المرأة: بين العنف والاغتراب

عودة بشارات

 

إحدى أبشع مظاهر التمييز ضد المرأة هو العنف الموجّه ضدها، وبالذات في حال المرأة العربية. فهناك نوع من "التفهم" لاتخاذ العنف ضدها، وأكثر من ذلك، فهناك شرعنة لهذا العنف، إن لم يكن على المستوى الرسمي القانوني فهو يجد التبريرات الاجتماعية له.

ومما لا شك فيه أن أحد أسباب تخلف المجتمعات العربية هو موقفها من المرأة. هذا التوجه المتخلف نحو المرأة، من حيث التمييز والعنف ضدها، هو مصيبة بحق تطور المجتمع ككل، لأن الطرفين، مستخدم العنف ومتلقيه، هما ضحية.

ممارسة الرجل للعنف هو تعبير عن خلل في ممارسته إنسانيته، فهذا العنف يتطلب منه اتخاذ شخصية العنيف، فالمجتمع الذي ينادي بالعنف ضد المرأة كجزء من القيم السائدة لديه، يفرض بالتالي على الرجل اتخاذ شخصية عنيفة، حتى وإن كان هذا الشخص ليس بالضبط كذلك، وبالتالي فهو يعيش شخصية أخرى، أحياناً مناوئة لشخصيته.

ومن جهة أخرى، فهذا الدور "الرجولي" سيتطلب من الرجل قمع إنسانيته وعواطفه وحتى عدم الاعتراف بما يؤلمه. وهكذا يتحول الرجل في هذه الحالة إلى شخص غريب عن نفسه، وسيصبح كما الممثل الذي يؤدي دورًا. وبينما هذا الدور لدى الممثل ينتهي مع انتهاء المشهد، فلدى الرجل العنيف سيستمر هذا الدور طوال حياته. ولذلك يمكن القول أن مستخدم العنف هو الضحية الثانية، وربما الأولى، لهذا العنف.

العنف الجسدي، وبالرغم من أنه جسدي، فهو في المقام الأول هو عنف نفسي، لأن الاعتداء على خصوصية الإنسان، والجسد هو أكثر ما يمثل هذه الخصوصية، هو بمثابة إذلال للنفس. اصطدام سيارة بإنسان سيحدث ألمًا فزيولوجيًا، ولكنه لا يحمل آلام الإذلال. بينما الصفعة التي تأثير ضررها الفيزيولوجي أقل من صدم السيارة، فهي تترك جراحًا غائرة في النفس.

مما يبعث على الأسف هو وجود ظاهرة تبرير عنف الرجل. مثل القول أن هذا الرجل "فش أحسن منو، كريم وخدوم.. بس يا حرام مرات بطلع خلقه". يجب الرد على ذلك بالقول أننا نفضل الشخص العادي تمامًا ولكن الذي لا يفاجئنا بخلقه الطالع.

وأكثر من ذلك، فهنالك  قبول العنف كقيمة سلوكية في التعامل الاجتماعي حتى القانوني، فهنالك اعتراف بحق الرجل باستخدام العنف ضد زوجته. كأن تسمع في إحدى الإذاعات، العربية طبعًا، المذيع وهو يخبرنا أن رجلاً اعتدى على زوجته، ويستدرك قائلاً: "لا نريد أن ندخل هنا في خصوصيات الزوجين". وكأن هذه المرأة تخص هذا الرجل، ورجاء أن لا يتدخل أحد حتى لو اعتدى عليها.

وهذا كله كوم، والقوانين كوم، حيث نجد في دول معينة تفهمًا للعنف ضد المرأة، حيث لا يدفع المرء ثمنًا لعنفه ما دام ضد المرأة. وأحيانًا يتم قتل إمرأة، ويتم تسريح القاتل بعد فترة قصيرة جدًا. وبعد خروجه تُقام له الولائم.

الصورة قاتمة. ولكنني على اعتقاد أن مجتمعنا خطى خطوات إيجابية كبيرة في هذا المجال. وبالرغم من أن كل حالة عنف تُحدث جروحًا غائرة في القلوب، ولكن يمكن القول أننا نسير إلى الأمام، أيضًا، بفضل نشاط حركات وجمعيات نسائية تقرع الأجراس دومًا في مواجهة كل انتهاك لحق الإنسان، وبالذات حق المرأة في حياة كريمة.