دماء مارلين الطوري.. صرخة نسوية غاضبة في وجه العنف، العسكرة، والتواطؤ
بغضبٍ لا يحتمل المهادنة، وبألمٍ يعرفه وتعرفه كل من يتابع وتتابع هذا العنف الذي صار جزءًا من يوميات النساء ومجتمعنا عموما، في هذا الواقع، تنعى جمعية “نساء ضد العنف” الشابة مارلين الطوري من كفر قاسم، التي قتلت، وأُحرِقت داخل سيارتها في جريمة تكشف مستوى الوحشية الذي وصل إليه العنف حين يُترك بلا رادع، وحين تُترك حياة النساء خارج أي منظومة حماية حقيقية.
هذه ليست حادثة فردية ولا انفلاتًا معزولًا. هذه نتيجة مباشرة لبنية كاملة تُنتج العنف وتعيد إنتاجه: دولة مُعسكرة تُدار بمنطق القوة والحرب، تُغذّي أدوات القمع والسيطرة، بينما تُترك المجتمعات في الداخل، وخصوصًا البلدات العربية، أمام انفلات السلاح، وتفكك الأمان، وتصاعد الجريمة المنظمة. في ظل هذا الواقع، تصبح حياة النساء في قلب الهشاشة، مكشوفة أمام عنف لا يعرف حدودًا.
إن ربط العسكرة المستمر، والاحتلال، وسياسات القوة الخارجية، بالداخل الذي يُترك بلا حماية اجتماعية حقيقية، ليس تحليلًا نظريًا، بل واقع ملموس: ميزانيات تُضخ في أدوات الحرب، مقابل إهمال طويل الأمد للبنى التحتية، للأمان الشخصي، للخدمات، ولآليات الوقاية والحماية. هذا الاختلال لا يبقى في السياسة فقط، بل يُترجم إلى دماء في الشوارع.
إن قتل مارلين وإحراقها هو ذروة العنف الذكوري المتوحش، لكنه أيضًا نتيجة بيئة تسمح بتراكم السلاح، بانهيار الردع، وبتحويل المجتمعات إلى فضاءات غير آمنة، حيث تتقاطع الجريمة المنظمة مع الإهمال السياسي، ومع غياب رؤية جدّية لحماية النساء.
وعليه، نؤكد ما يلي:
1. إن الجريمة بحق مارلين تعكس واقعًا خطيرًا بات فيه الجناة مطمئنين لغياب الردع، من جمع السلاح إلى تطبيق القانون دون انتقائية أو تواطؤ أو تباطؤ.
2. إن استمرار دولة تُكرّس مواردها للعسكرة والصراع، مقابل إهمالها للأمن الإنساني اليومي في بلداتنا، يجعلها شريكًا بنيويًا في استمرار العنف، حتى وإن لم تكن فاعلًا مباشرًا فيه.
3. إن قتل النساء بهذا الشكل الوحشي هو تعبير مركّب عن عنف ذكوري من جهة، وعن منظومة سياسية-اجتماعية تنتج اللاعدالة وعدم الأمان من جهة أخرى.
إن ما حدث مع مارلين ليس انفصالًا عن السياق، بل هو أحد نتائجه الأكثر فظاعة. فحين تُترك المجتمعات بلا حماية، وحين يُطبع مع السلاح كجزء من الحياة اليومية، وحين يُدار الواقع بعقلية أمنية لا ترى الإنسان، تكون النساء أول من يدفع الثمن.
إن الغضب هنا ليس رد فعل، بل موقف. لأن استمرار هذا الواقع يعني المزيد من الأسماء، المزيد من العائلات، والمزيد من الحياة التي تُطفأ في وضح النهار.
وما نواجهه اليوم ليس فقط جريمة، بل منظومة كاملة يجب كسرها، لا التعايش معها.